عبد الرحمن بدوي

مقدمة 65

أرسطو عند العرب

روعه أن الناشر قد بذل مجهودا هائلا ، والحق أنه لم يبذل شيئا أكثر من جهد النسخ والمسخ معا ، دون أن يبذل أي مجهود في الفهم وتدبّر المقروء . ومع هذا تراهم يصيحون ملء أشداقهم ، وتصف ألسنتهم الكذب : إن هذا هو المنهج العلمي الصحيح ! مع أن الأولى بهم أن يسموه : منهج الإحصاء الآلى العاجز . ولكم رأينا في مقارنتنا لبعض النصوص التي نشرها هؤلاء « الناشرون » المزعومون بالأصول المخطوطة التي نشروا ما نشروا عنها أن ما ادعوه « تحريفا » أو « اختلاف قراءة » لم يكن في الواقع إلا « سوء قراءة » من عيونهم وعقولهم . كما رأينا كذلك من هذه المقارنات أن من أسباب الوقوع في أخطاء النشر أن الناشرين كثيرا ما يعتمدون على نسخ النساخ الحاليين دون أن يراجعوا المخطوطات نفسها ويعملوا فيها . فتكون النتيجة أن يفترضوا وقوع أخطاء أو نقص أو تحريف في المخطوطات الأصلية ، مع أن هذا لم يقع إلا في نسخهم هم التي استنسخوها ؛ وكان يكفيهم مراجعة المخطوطات نفسها كيما يكونوا على بينة من أمر هذه الأخطاء أو أنواع النقص والتحريف المظنونة . ولهذا فإننا في هذه الناحية لم نكتف بنسخها نحن بأيدينا في أغلب الأحوال ، بل كنا نراجع دائما تجارب الطبع على المخطوطات الأصلية نفسها دون النسخ التي كتبناها . وبهذا نكون على يقين تام بأننا أجرينا عمليات النشر كلها على المخطوطات الأصلية رأسا أو ما أخذ عنها من مصوّرات شمسية . ثم عنينا كل العناية بعلامات الترقيم ، لأنها العصب لكل عمل النشر ، وبدونها لا قيمة مطلقا لكل ما ينشر . ومن هنا نأسف أشد الأسف على أن كثيرا من الناشرين - والمستشرقون منهم بوجه خاص - قد أغفلوا هذه الناحية . ذلك أن النص غير المزود بعلامات الترقيم هو نص غير قابل لأن يقرأ . كما أن لكل علامة قيمتها المنطقية الكبرى في العبارة . ولهذا فإن وضع علامات الترقيم هو في الواقع عمل من أعمال الشرح والتفسير . فإذا كانت الغاية الأولى والكبرى من عملية النشر هي تقديم نص واضح دقيق ، فتكاد هذه الغاية أن تفوّت كلها أو جلّها بعدم وضع تلك العلامات بكل دقة ووفقا لوظائفها المنطقية المعروفة في الجملة والسياق العام . ولهذا فإن معظم النشرات النقدية التي تمت حتى الآن - ونذكر من بينها خصوصا في الفلسفة نشرات الأب موريس بوپج ، فإنها على